سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده

36

رسائل في الفلسفة والعرفان

في المرتبة الحسّية مرآة القلم ، فما في القلم مندرج على الوجه الكلّي والإجمالي ، فهو في العرش مندرج على الوجه الكلّي والإجمالي كذلك ، والكرسي - أيضاً - من هذا الوجه في المرتبة الحسّيّة مرآة اللوح المحفوظ ، فما في اللوح المحفوظ ثابت على الوجه الجزئي والتفصيلي ، فهو في الكرسي على الوجه الجزئي والتفصيلي ، فالقلم - المكنّى بالعقل - أُنموذج الذات ومرآتها ومظهرها ومنصتها ومَجْلاها ، واللوح - المسمّى بالنفس - أُنموذج القلم ومرآته ومظهره ومنصّته ومجلاه ، والعقل نسخة الذات ، واللوح نسخة القلم ، والعرش نسخة القلم ، والكرسي نسخة اللوح ، وأمّا الإنسان الكامل فهو نسخة جامعة لجميع النسخ ، وهو المستخرج والمستنبط من الكلّ ، وهو الجامع بين الإلهيّة والكونيّة ، [ فحيث ] [ 1 ] إنّ ذات الحقّ كتاب جُمليّ ، وأُمٌّ جامع لجميع الكتب قبل تفصيلها ، وعلمه تعالى بنفسه كتاب تفصيليّ ، مفصَّلٌ مبيَّن فيه ما كان في الذات مضمراً ، كذلك الإنسان الكامل كتاب جُمليّ ، وأُمٌّ جامع لجميع الكتب بعد تفصيلها ، وعلمه بنفسه كتاب تفصيليّ ، مفصَّل مبيَّن فيه ما كان في الإنسان الكامل مجملًا ، فعلم الإنسان الكامل بذاته مرآة لذاته ، ذاته ظاهرة فيه ومميّزة به ، كما أنّ علم الحقّ بذاته مرآة لذاته ، وذاته ظاهرة به متعيّنة به ، فبين ذات الحقّ سبحانه وذات الإنسان الكامل ، مضاهاة من جهة الكلّيّة والإجمال ؛ وكون الأشياء فيهما على الوجه الكلّي والإجمالي ، وبين علم الحقّ وعلم الإنسان الكامل ، مضاهاة من حيث مظهريّته لتفصيل ما أجمل ، فالإنسان الكامل مرآة تامّة للذات بسبب [ 2 ] هذه المضاهاة ، والذات متجلّية عليه على الوجه الكلّي والجُملي ، وعلم الإنسان الكامل مرآة لعلم الحقّ ، وعلم الحقّ متجلٍّ [ 3 ] عليه وظاهر به ، فما في الذات مندرج على الوجه الكلّي ، وما في علم الحقّ ظاهر على الوجه الجزئي والتفصيلي ، فعلمه علمه ، وذاته ذاته بلا اتّحاد معه ، ولا حلول فيه ، ولا صيرورة هو ؛ لأنّها محال ؛ لأنّ الاتحاد يحصل من الوجودين ، وكذا الحلول والصيرورة ، وماثَمّ إلّاوجود واحد ، والأشياء موجودة به معدومة بنفسها ، فكيف يتّحد من هو موجود به ومعدوم بنفسه ، ولو نسمع الاتّحاد [ 4 ] الذي قلنا فيه : إنّه يحصل من

--> [ 1 ] في الأصل : « فلمّا » . [ 2 ] في الأصل : لسبب . [ 3 ] في الأصل : متجلّي [ 4 ] الصحيح : ولو سمعنا بالاتّحاد .